أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

570

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

هذه المسألة فأجازها البصريون مطلقا ، وأما الكوفيون فقالوا : لا يخلو : إمّا أن يكون حرف الجر زائدا فيجوز ذلك نحو : ما ضرب من أحد ، وإن كان غير زائد لم يجز ذلك عندهم ، ولا يجوز عندهم أن يكون الاسم المجرور في موضع رفع باتفاق بينهم . ثم اختلفوا بعد هذا الاتفاق في القائم مقام الفاعل : فذهب الفراء إلى أن حرف الجر وحده في موضع رفع ، كما أنّ « يقوم » من « زيد يقوم » في موضع رفع . وذهب الكسائي وهشام إلى أنّ مفعول الفعل ضمير مستتر فيه ، وهو ضمير مبهم من حيث أن يراد به ما يدلّ عليه الفعل من مصدر وزمان ومكان ولم يدلّ دليل على أحدها ، وذهب بعضهم إلى أنّ القائم مقام الفاعل ضمير المصدر ، فإذا قلت : « سير بزيد » فالتقدير : سير هو ، أي : السير ، لأنّ دلالة الفعل على مصدره قوية ، وهذا يوافقهم فيه بعض البصريين . ولهذه الأقوال دلائل واعتراضات وأجوبة لا يحتملها هذا الموضوع فليطلب من كتب النّحويين . قوله : بِالْمَعْرُوفِ يجوز أن يتعلّق بكلّ من قوله : « رزقهنّ » و « كسوتهنّ » على أن المسألة من باب الإعمال ، وهو على إعمال الثاني ، إذ لو أعمل الأول لأضمر في الثاني ، فكان يقال : وكسوتهنّ به بالمعروف . هذا إن أريد بالرزق والكسوة المصدران ، وقد تقدّم أنّ الرزق يكون مصدرا ، وإن كان ابن الطراوة قد ردّ على الفارسي ذلك في قوله : ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً « 1 » كما سيأتي تحقيقه في النحل ، وإن أريد بهما اسم المرزوق والمكسوّ كالطّحن والرّعي فلا بدّ من حذف مضاف ، تقديره : اتّصال أو دفع أو ما أشبه ذلك ممّا يصحّ به المعنى ، ويكون « بالمعروف » متعلّقا بمحذوف على أنه حال منهما . وجعل أبو البقاء العامل في هذه الحال الاستقرار الذي تضمّنه « على » . والجمهور على « كسوتهنّ » بكسر الكاف ، وقرأ طلحة بضمها ، وهما لغتان في المصدر واسم المكسوّ ، وفعلها يتعدّى لاثنين ، وهما كمفعولي « أعطى » في جواز حذفهما أو حذف أحدهما اختصارا أو اقتصارا . قيل : وقد يتعدّى إلى واحد وأنشدوا : 996 - وأركب في الرّوع خيفانة * كسا وجهها سعف منتشر « 2 » ضمّنه معنى غطّى . وفيه نظر لاحتمال أنه حذف أحد المفعولين للدلالة عليه ، أي : كسا وجهها غبار أو نحوه . قوله : لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ الجمهور على « تكلّف » مبنيا للمفعول ، « نفس » قائم مقام الفاعل وهو اللّه تعالى وُسْعَها مفعول ثان ، وهو استثناء مفرغ ، لأنّ « كلّف » يتعدّى لاثنين . قال أبو البقاء : « ولو رفع الوسع هنا لم يجز ، لأنه ليس ببدل » . وقرأ أبو رجاء : « لا تكلّف نفس » بفتح التاء والأصل : « تتكلف » فحذفت إحدى التاءين تخفيفا : إمّا الأولى أو الثانية على خلاف في ذلك تقدّم ، فتكون « نفس » فاعلا ، و « وسعها » مفعول به ، استثناء مفرغا أيضا . وروى أبو الأشهب عن أبي رجاء أيضا : « لا يكلّف نفسا » بإسناد الفعل إلى ضمير اللّه تعالى ، فتكون « نفسا » و « وسعها » مفعولين . والتكليف : الإلزام ، وأصله من الكلف ، وهو الأثر من السّواد في الوجه ، قال :

--> ( 1 ) سورة النحل ، آية ( 73 ) . ( 2 ) البيت لامرئ القيس انظر ديوانه ( 163 ) ، المغني ( 581 ) .